ابن كثير
172
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
بها » ولم يصل عليها ، وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان لأنه كان يعلم أعيان المنافقين ، قد أخبره بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولهذا كان يقال له صاحب السر الذي لا يعلمه غيره أي من الصحابة . وقال أبو عبيد في كتاب الغريب في حديث عمر ، أنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها . ثم حكي عن بعضهم أن المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع ، ولما نهى اللّه عز وجل عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم للاستغفار لهم ، كان هذه الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك ، وفي فعله الأجر الجزيل كما ثبت في الصحاح وغيرها من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط ، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان » قيل وما القيراطان ؟ قال « أصغرهما مثل أحد » « 1 » وأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات ، فروى أبو داود : حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي ، أخبرنا هشام عن عبد اللّه بن بحير عن هانئ ، وهو أبو سعيد البربري مولى عثمان بن عفان عن عثمان رضي اللّه عنه قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال : « استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل » انفرد بإخراجه أبو داود « 2 » رحمه اللّه . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 85 ] وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 85 ) قد تقدم تفسير نظير هذه الآية الكريمة وللّه الحمد والمنة « 3 » . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 86 إلى 87 ] وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ( 86 ) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 87 ) يقول تعالى منكرا وذاما للمتخلفين عن الجهاد الناكلين عنه مع القدرة عليه ووجود السعة والطول . واستأذنوا الرسول في القعود وقالوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء ، وهن الخوالف بعد خروج الجيش ، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس ، وإذا كان أمن كانوا أكثر الناس كلاما ، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى : فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ [ الأحزاب : 19 ] أي علت ألسنتهم بالكلام الحاد القوي في الأمن ، وفي الحرب أجبن شيء ، وكما قال الشاعر : [ الطويل ]
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الجنائز باب 59 ، ومسلم في الجنائز حديث 52 . ( 2 ) كتاب الجنائز باب 69 . ( 3 ) انظر تفسير الآية 55 من هذه السورة .